نهج مختلف في العمل

تبدأُ كلُّ عددٍ من مجلةِ “الحوارِ الإنسانيِّ” بسؤالٍ: من تُشكِّلُ وجهاتُ نظرِه المحادثاتِ التي تؤثِّرُ في العملِ الإنسانيِّ؟ غالباً ما يُدعى الأقربونَ إلى الأزماتِ لتقديمِ أمثلةٍ أو للتحققِ من النقاشاتِ القائمةِ، لكنْ نادراً ما يُطلبُ منهم تحديدُ الأجندةِ ذاتِها. ويأتي هذا العددُ ليقدِّمَ نهجاً مختلفاً. فبدلاً من اختيارِ الموضوعِ داخلياً في شبكةِ الممارسةِ الإنسانيةِ (HPN)، دعتِ الشبكةُ شركاءَها – تحالفَ تمكينِ الشراكاتِ (A4EP)، وشبكةَ آسيا والمحيطِ الهادئِ لحقوقِ اللاجئينَ (APRRN)، والشبكةَ الإنسانيةَ النسويةَ (FHN)، ومركزَ المجتمعِ المدنيِّ والديمقراطيةِ (CCSD) – لقيادةِ هذهِ العملية. ومن خلالِ سلسلةٍ منَ النقاشاتِ، حدَّدوا الموضوعَ المركزيَّ لهذا العددِ، المنبثقَ من أولوياتِ الممارسةِ، والقيادةِ المحليةِ في بنيةٍ إنسانيةٍ متغيرةٍ، وجمعوا مؤلفينَ من شبكاتِهم في بنغلاديشَ وإندونيسيا وكينيا وفلسطينَ وسوريا وتايلاندَ وتركيا. لم يكنْ دورُ شبكةِ الممارسةِ الإنسانيةِ هو وضعَ الأجندةِ، بل تهيئةَ الفضاءِ لها لتتبلورَ عبرَ الحوارِ والتعاونِ والتبادلِ بينَ بلدانِ الجنوب. وبهذا، يعكسُ هذا العددُ التزامَ الشبكةِ المستمرَّ بتعزيزِ معرفةٍ أكثرَ شمولاً وتعاونيةً ومنزوعةِ الاستعمارِ، ممّا يُعزِّزُ التعلُّمَ الفرديَّ والمؤسسيَّ في القطاعِ الإنساني.

علاوةً على ذلك، يُتوقَّعُ عادةً منَ الفاعلينَ المحليينَ المساهمةُ بخبراتِهم وعلاقاتِهم وتجاربِهم المعاشةِ دونَ تعويضٍ، رغمَ أنَّ ذلكَ يستغرقُ وقتاً، ويحتاجُ إلى جهدٍ فكريٍّ ومواردَ مؤسسيةٍ. وقد حظيَ مؤلفو هذا العددِ والشبكاتُ الشريكةُ بدعمٍ ماليٍّ مقابلَ مساهماتِهم، في اعترافٍ متعمدٍ بأنَّ الخبرةَ المحليةَ لها قيمةٌ، وأنَّ الشراكاتِ المنصفةَ ينبغي أن تكونَ منصفةً أيضاً في كيفيةِ الاعترافِ بالمساهماتِ ومكافأتِها.

كما كانتْ إمكانيةُ الوصولِ والشموليةُ مبدأينِ موجِّهينَ طوالَ هذا العملِ، حيثُ سعينا إلى دعوةِ المؤلفينَ للكتابةِ باللغةِ التي يشعرونَ فيها براحةٍ أكبرَ، مع تقديمِ دعمٍ من محررينَ يتمتعونَ بخبرةٍ سياقيةٍ ولغوية. وقد أدى ذلكَ إلى إنتاجِ مقالاتٍ في الأصلِ باللغتينِ الإنجليزيةِ والعربيةِ، ثمَّ تُرجمتْ إلى العربيةِ والسواحيليةِ حسبَ الحاجة.

في هذا العددِ

كما سبق وأن أشرنا، يركِّزُ هذا العددُ على القيادةِ المحليةِ في ظلِّ بنيةٍ إنسانيةٍ متغيرةٍ، وهو موضوعٌ في غايةِ الأهميةِ والتوقيت. أعادتْ إعادةُ الضبطِ الإنسانيِّ إحياءَ الدعواتِ إلى استجاباتٍ تقودُها الجهاتُ المحليةُ وتدعمُها الجهاتُ العالمية. غيرَ أنَّ العديدَ منَ المنظماتِ المحليةِ والوطنيةِ ما زالتْ تتلقى نسبةً ضئيلةً فقطْ منَ التمويلِ الإنسانيِّ، وتظلُّ ممثلةً تمثيلاً ناقصاً في مجالاتِ صنعِ القرار. وتتجاوزُ مقالاتُ هذا العددِ النقاشاتِ المألوفةَ لاستكشافِ كيفَ تبدو القيادةُ المحليةُ في الممارسة، وتسلطُ الضوءَ على كيفيةِ تنقلِ المجتمعاتِ والمنظماتِ المحليةِ في مشهدٍ إنسانيٍّ متطوّرٍ، وتحديِ هياكلِ السلطةِ القائمةِ، وإعادةِ تصورِ الشراكات. وتقدِّمُ معاً ليسَ مجردَ لمحةٍ عن بنيةٍ إنسانيةٍ متغيرةٍ، بل رؤى قيّمةً حولَ ما يمكنُ أنْ يبدوَ عليه مستقبلُ العملِ الإنسانيِّ الأكثرِ إنصافاً وفعاليةً.

يبدأُ العددُ براجيف جها من تحالفِ تمكينِ الشراكاتِ، الذي يستعرضُ الحواجزَ الهيكليةَ أمامَ القيادةِ المحليةِ التي ما زالتْ قائمةً حتى في خضمِّ إعادةِ الضبط. ويتعمقُ كلٌّ من مورياب جرجس حدو، ونرجس أردوان، ومحمد الكجك من مركزِ المجتمعِ المدنيِّ والديمقراطيةِ في فحصِ الفجوةِ بينَ خطابِ التمركزِ المحليِّ وممارساته، استناداً إلى ثلاثِ سنواتٍ من الخبرةِ في دعمِ أكثرَ من 50 منظمةً سورية.

تُسلطُ المقالتانِ التاليتانِ الضوءَ على تجاربِ المجتمعاتِ النازحةِ والمنظماتِ التي يقودها اللاجئونَ، والتي غالباً ما تُهملُ في نقاشاتِ التمركزِ المحلي. فيتناولُ باقير باياني من شبكةِ آسيا والمحيطِ الهادئِ لحقوقِ اللاجئينَ كيفَ تواصلُ أطرُ التمركزِ المحليِّ السائدةُ استبعادَ المبادراتِ التي يقودها اللاجئونَ، على الرغمِ من دورِها كجهاتٍ مستجيبةٍ أوليةٍ وفاعلينَ مجتمعيينَ موثوقينَ في بلدانٍ مثلِ إندونيسيا وتايلاند. بينما يستندُ خير الله وأحترام شين من الشبكةِ نفسها إلى تجاربِ المنظماتِ التي يقودها اللاجئونَ في كوكس بازار ببنغلاديشَ، مسلطينَ الضوءَ على مساهماتِهم في الاستجابةِ الطارئةِ والتعليمِ والحمايةِ، مع توثيقِ الحواجزِ الهيكليةِ التي تمنعُ مشاركتَهم الفعليةَ في صنعِ القرار.

ورغمَ هذهِ المعوقاتِ، تُظهرُ العديدُ منَ المقالاتِ كيفَ يواصلُ الفاعلونَ المحليونَ قيادةَ الاستجابات. فيتأملُ كلٌّ من أوهيلا شومر وماجدة سقا من الشبكةِ الإنسانيةِ النسويةِ في عملِ المنظماتِ النسائيةِ في فلسطينَ، وكيفَ كيّفتْ برامجَها وخدماتِها للاستجابةِ لتصاعدِ العنفِ والنزوحِ والاحتياجاتِ الإنسانية. وتعرضُ أنيلة نور ومدينة يونس من الشبكةِ نفسها منهجيةَ “خيوطِ الكينتي” التي تُجرَّبُ في كينيا، والتي تجسدُ كيفَ تُكوِّنُ النساءُ الكينياتُ النازحاتُ بياناتِهنَّ الخاصةَ ويستخدِمْنَها لتشكيلِ القرارِ المناخي والإنساني.

كما يبرزُ قادةٌ إنسانيونَ محليونَ من بينِ أولئك الذينَ غالباً ما يُنظرُ إليهمْ في المقامِ الأولِ كمتلقينَ للمساعدات. تستعرضُ سارة بهساس من مركزِ المجتمعِ المدنيِّ والديمقراطيةِ النهجَ المجتمعيَّ في سوريا، الذي يمكنُ المجتمعاتَ من تحديدِ احتياجاتِها ومعالجتِها. وتسلطُ أريج المحمد من المركزِ نفسِه الضوءَ على اللاجئينَ السوريينَ في تركيا، وكيفَ حوَّلوا أنفسَهم من متلقينَ للمساعداتِ إلى فاعلينَ إنسانيين. تتحدى هذهِ المقالاتُ التمييزَ التقليديَّ بينَ مقدِّمي المساعداتِ ومتلقِّيها، وتُظهرُ أنَّ الفئاتِ المتضررةَ ليستْ مجردَ مشاركينَ في الاستجابةِ الإنسانيةِ، بل قادةً بحقِّ ذاتِهم.

كما يتناولُ هذا العددُ الجهودَ المبذولةَ لإعادةِ تشكيلِ علاقاتِ التمويل، إذ يُحلِّلُ سوبين مولمي من شبكةِ آسيا والمحيطِ الهادئِ لحقوقِ اللاجئينَ الصندوقَ العالميَّ لعديمي الجنسيةِ، الذي يُوفِّرُ تمويلاً مرناً ومتعددَ السنواتِ وغيرَ مشروطٍ للجماعاتِ الشعبيةِ غيرِ الرسميةِ التي تعالجُ انعدامَ الجنسيةِ، وقدْ تفتقرُ إلى التسجيلِ الرسميِّ أو الوصولِ إلى قنواتِ التمويلِ. وتدرسُ أمريتا بول من الشبكةِ نفسِها دورَ الشبكةِ في دعمِ المنظماتِ التي يقودها اللاجئونَ والمنظماتِ المجتمعيةِ للوصولِ إلى الصناديقِ المشتركةِ وإدارتِها، موضحةً الفرصَ والحواجزَ المستمرةَ في أنظمةِ التمويلِ الإنساني.

دروس رئيسية

على الرغمِ من أنَّ المقالاتِ تستندُ إلى تجاربَ من سياقاتٍ متنوعةٍ، من سوريا وفلسطينَ إلى كينيا وبنغلاديشَ ومنطقةِ آسيا والمحيطِ الهادئِ، إلا أنها تتقاربُ حولَ رسالةٍ مشتركةٍ: القيادةُ المحليةُ قائمةٌ بالفعل. فالمجتمعاتُ، والمنظماتُ التي يقودها اللاجئونَ، والمبادراتُ النسائيةُ، والمجتمعُ المدنيُّ المحليُّ لا ينتظرونَ اعترافاً دولياً؛ بل همْ يقودونَ الاستجاباتِ فعلاً، ويبتكرونَ، ويتكيّفونَ، ويدعمونَ مجتمعاتِهم في خضمِّ الأزمات. وما يزالُ يُقيِّدُهم ليسَ نقصَ القدراتِ، بل بنيةٌ إنسانيةٌ تركِّزُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ التمويلَ وصنعَ القرارِ والشرعيةَ في المؤسساتِ الدولية.

عبرَ المساهماتِ، يُسلِّطُ المؤلفونَ الضوءَ على معوقاتٍ متكررةٍ، تشملُ آلياتِ التمويلِ غيرَ المرنةِ، والإقصاءَ من فضاءاتِ التنسيقِ والحوكمةِ، ومتطلباتِ الامتثالِ المرهقةِ، والقيودَ القانونيةَ والسياسيةَ التي تمنعُ العديدَ منَ الفاعلينَ المحليينَ من الوصولِ إلى المواردِ مباشرةً. وفي الوقتِ نفسِه، تقدِّمُ المقالاتُ أمثلةً مقنعةً على مناهجَ بديلةٍ، توضحُ كيفَ يُسهمُ التمويلُ المرنُ، والشراكاتُ القائمةُ على الثقةِ، وصنعُ القرارِ التشاركيُّ، والاستجاباتُ المجتمعيةُ، والاعترافُ بالخبرةِ المعاشةِ في إنتاجِ عملٍ إنسانيٍّ أكثرَ فاعليةً ومساءلةً واستدامةً. وتشكِّلُ هذهِ المساهماتُ معاً تحدياً للقطاعِ الإنسانيِّ لتجاوزِ لغةِ التمركزِ المحليِّ نحوَ إعادةِ توزيعٍ حقيقيةٍ للسلطةِ والمواردِ والمعرفةِ، حيثُ تُعتبرُ القيادةُ المحليةُ ليسَ طموحاً للمستقبلِ، بل واقعاً قائماً يستحقُّ أنْ يُشكِّلَ مستقبلَ العملِ الإنساني.

شكر وتقدير

لقد كانَ هذا العددُ ثمرةَ جهدٍ تعاوني حقيقي. نتقدَّمُ بجزيلِ الشكرِ إلى منظماتِنا الشريكةِ وجميعِ المؤلفينَ الذينَ شاركونا بسخاءٍ معرفتَهم وخبراتِهم وتأملاتِهم. ونعربُ عن امتنانِنا الخاصِّ لفريقِ التحريرِ والمترجمينَ، ولا سيما “تماريند” و”هاشم الهاشم”، اللذينِ ضمنتْ خبرتُهما السياقيةُ واللغويةُ وصولَ الأفكارِ المطروحةِ إلى جمهورٍ بالعربيةِ والسواحيليةِ والإنجليزيةِ، مع الحفاظِ على سلامةِ كلِّ مساهمةٍ وصوتِها.

كاثرين كوموهانجي (مديرة التنسيق في شبكة الممارسات الإنسانية)

وسيرينا أبي خليل (رئيسة قسم التطوير والشراكات في شبكة الممارسات الإنسانية)

هل يمكنك المساعدة في ترجمة هذا المقال؟

نريد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص. إذا كان بإمكانك المساعدة في ترجمة هذه المقالة ، فتواصل معنا.
Contact us

هل وجدت كل ما تبحث عنه؟

تساعدنا مدخلاتك القيمة في تشكيل مستقبل HPN.

هل تود الكتابة لنا؟

كما نرحب بالتقارير المقدمة من قرائنا بشأن المواضيع ذات الصلة. إذا كنتم ترغبون بنشر أعمالكم على شبكة العمل الإنساني، فإننا نحثكم على التسجيل بصفتكم عضوًا في شبكة العمل الإنساني حيث ستجدون المزيد من التعليمات حول كيفية تقديم المحتوى إلى فريق تحريرنا الخاص.
Our Guidance