المخاطر محلية، والقرارات خارجية: ردم الفجوة في ممارسات تشارك المخاطر

July 6, 2026

Mohanna Eljabaly

Two men sit together at a workshop table reviewing information on a laptop with planning charts and colourful sticky notes displayed on the walls.

تعد المخاطر جزءٌ لا يتجزأ من العمل الإنساني، لكن ثمة تفاوت كبير بين التعرض لها من ناحية، وطريقة إدارتها من ناحية أخرى ضمن بنية الشراكات. ففي سياقات مثل اليمن، حيث تتداخل يوميًا القيود التشغيلية وتحديات الوصول ومتطلبات الامتثال، تجد المنظمات غير الحكومية المحلية نفسها في مواجهة مباشرة مع المخاطر. فهي أول من يواجه الاضطرابات، وأول من يستجيب لها، وغالبًا هي من تتحمل العواقب، إلا أنها لا تُمنح دائمًا دورًا متساويًا في رسم آليات التنبؤ بهذه المخاطر أو إدارتها. فبينما المخاطر موجودة في جميع مراحل التنفيذ، إلا أن المسؤولية غير موزعة عليها بالتساوي.

ولا ينشأ هذا الخلل في الشراكات عادةً نتيجة قرار واحد، بل يتشكل تدريجيًا من خلال الطريقة التي تُدار بها المخاطر على أرض الواقع . فما تزال إدارة المخاطر تتأثر بثلاثة تحديات متكرّرة، وهي: تأخّر النقاشات، وعدم وضوح التوقّعات، وضعف الإدماج في عملية صنع القرار. وهي أمور لا تحدث بمعزل عن بعضها، إذ تؤدي مجتمعة إلى ترسيخ نظام يُعالج فيه الخطر بعد وقوعه، وبشكل غير متساوٍ، وبقدر محدود من الشفافية.

حوارات متأخرة

غالبًا ما تبدأ النقاشات المتعلقة بالمخاطر بعد فوات الأوان. ففي كثير من الحالات، يُفتح باب النقاش بعد أن تتحول بوادر الخطر إلى مشكلة فعلية كتأخيرًا ناجمًا عن قيود الوصول، أو مسألة تتعلق بالامتثال، أو تعطل في التنفيذ. عندها، لا يكون الخطر شيئًا يمكن التخطيط له، بل واقعًا يجب احتواؤه. ومن السيناريوهات الشائعة أن يبدأ تنفيذ مشروع في منطقة يُتوقع مسبقًا أن تواجه تحديات في الوصول، دون الاتفاق المسبق على مسارات التصعيد، أو آليات التواصل، أو سيناريوهات الاستجابة المحتملة. وعندما يقع اضطراب، مثل تعطل الخدمات المصرفية أو التحويلات النقدية، ولا سيما في البرامج القائمة على التحويلات النقدية عندما يقوم أحد البنوك المحلية بتجميد المعاملات أو تأخير التحويلات بسبب متطلبات الامتثال أو نقص السيولة، يجد الشريك المحلي نفسه في مواجهة مباشرة مع ضغوط المجتمعات المحلية. وفي ظل غياب اتفاق مسبق على خطة طوارئ، تُتَّخذ حلول ارتجالية (مثل تأجيل التوزيع أو التفاوض مع الموردين) ويتعامل الشريك المحلي مع التبعات المباشرة لذلك على أرض الواقع، ولا تبدأ النقاشات حول المخاطر إلا بعد تفاقم الوضع. وإلى حين تصنيف الوضع على أنه يقع ضمن إطار «المخاطر»، يكون قد تحوّل أصلًا إلى مشكلة. ومن شأن هذا النهج القائم على رد الفعل أن يحدّ من خيارات التخفيف من المخاطر، وتحويل إدارة المخاطر من التعاون في توقعها، إلى احتوائها بعد وقوعها

توقعات ضبابية

وفي الوقت نفسه، لا تُترجَم درجة تقبل المخاطر دائمًا إلى توقعات عملية مشتركة. فعلى أرض الواقع، غالبًا ما تجد المنظمات غير الحكومية الوطنية نفسها في مواجهة حالة من عدم اليقين بشأن ما ينبغي الإبلاغ عنه، وتوقيت الإبلاغ، وكيف سيتلقى الطرف الآخر البلاغ. ويتضح ذلك أكثر عند ظهور مشكلات كان من الممكن التنبؤ بها مسبقًا. فعلى سبيل المثال، قد يرصد الفريق في مرحلة مبكرة خطر تأخير ناجم عن قيود مصرفية، أو تعقيدات في مسارات الموافقة، أو صعوبات في الوصول. وفي هذه الحالة، تم تحديد الخطر، لكن حالة عدم اليقين ما زالت قائمة: هل سيُنظر إلى الإبلاغ المبكر باعتباره إدارة استباقية، أم تقصيرًا في الأداء؟ وفي ظل غياب معايير واضحة، قد تلجأ الفرق إما إلى تأجيل الإبلاغ عن الوضع أو إلى التقليل من شأن المشكلة، في محاولة لإدارة المسألة داخليًا. وعندما لا يصبح بالإمكان تفادي التأخير، يحدث التصعيد في مرحلة متأخرة، وتضيق خيارات المعالجة، ويشتد الضغط. وفي هذه المرحلة، يُنتظر من الجهات الفاعلة المحلية شرح أسباب التأخير، والتعامل مع توقعات المجتمعات المحلية، وتحمل تبعات تضرر سمعتها. عندما يصبح الإبلاغ عن المخاطر بحد ذاته مخاطرة، تدار المخاطر بصمت.

مشاركة محدودة في عملية اتخاذ القرارات

ويزيد هذا الأمر تعقيدًا الفجوة المستمرة بين المساءلة والإدماج. فعادةً ما يُنتظر من الجهات الفاعلة المحلية التعامل مع تداعيات المخاطر عبر توضيح أسباب التأخير للمجتمعات المحلية، والحفاظ على العلاقات مع السلطات المحلية، وإدارة الضغوط المرتبطة بالسمعة، بالرغم من عدم إشراكها فعليًا في القرارات التي أدت إلى تلك المخاطر. وفي بعض الحالات، تتأخر المشاريع أو تُعلّق نتيجة قرارات صادرة عن المستويات العليا، مثل الجداول الزمنية المضغوطة التي تفرضها دورات المانحين
أو تأخر اعتماد الأنشطة رغم توقع تنفيذها بسرعة للالتزام بمواعيد تقديم التقارير. ويترتب على ذلك الاستعجال في التنفيذ، وضعف مشاركة المجتمع المحلي، وارتفاع في معدلات الأخطاء، ما يضع الشركاء المحليين في مواجهة التداعيات على الأرض. وفي حالات أخرى، تضيع فرص التخفيف من المخاطر نتيجة عدم إدماج المعرفة المحلية مبكرًا بما يكفي للتأثير على النتائج. وهو وضع أقرب إلى نقل عبء المخاطر، بدلًا من تشاركها. إذ يُطلب من الجهات الفاعلة المحلية تحمّل المخاطر من دون منحها سلطة اتخاذ القرار.

تعزيز تشارك المخاطر على أرض الواقع

الانتقال من المجاراة إلى الاستباق

لا يستدعي التعامل مع هذه التحديات استحداث أنظمة جديدة تمامًا، بل إدخال تغييرات تدريجية ثابتة في عمل الشراكات على أرض الواقع. ومن هذه التغييرات المهمة اعتماد نقاشات مبكرة مخصصة للمخاطر. فالاجتماع بالشركاء من البداية لمناقشة السيناريوهات المحتملة ومسارات التصعيد وأدوار التواصل يسمح بالتنبؤ بالمخاطر بدلًا من مجرد الاستجابة لها. وتوثيق هذه النقاشات، حتى لو بصيغ بسيطة، يخلق نقطة مرجعية مشتركة يمكن للفرق أن تعود إليها خلال التنفيذ، وإلا ستُنسى بسرعة. والتوثيق يجعل هذه النقاشات جزءًا من آلية إدارة المشروع، ما يخفف من الالتباس عند وقوع الاضطرابات، ويحوّل المخاطر من «حدث غير متوقع» إلى «سيناريو مُخطط له مسبقًا».

توضيح التوقعات

بالإضافة إلى ما سبق، ثبت أن توضيح التوقعات أمر بالغ الأهمية. فمن خلال تحديد ما يجب الإبلاغ عنه فورًا، ومجالات المرونة المتاحة، وأشكال التكيّف المقبولة، يمكن تقليل التردد ودعم اتخاذ قرارات أكثر ثقة. ولا يقتصر هذا التوافق على ما تنصّ عليه الاتفاقيات، بل يشمل أيضًا كيفية تفسيرها وتطبيقها على أرض الواقع. أما في حال بقاء التوقعات ضمنية، فسيظل عدم اليقين قائمًا. أي كلما كانت التوقعات واضحة، زادت قدرة الشركاء على التواصل المبكر والعمل بثقة، ما يسهم في تنفيذ أكثر واقعية.

اشراك الجهات الفاعلة المحلية في عملية التخطيط لإجراءات التخفيف من المخاطر

وفي المقابل، أدى تعزيز اشراك الجهات الفاعلة المحلية والوطنية في تخطيط إجراءات التخفيف من المخاطر إلى تقوية الاستجابات. فغالبًا ما تؤدي معرفتها بالسياق إلى اتخاذ قرارات أكثر واقعية من ناحية الجداول الزمنية، والوصول، وإشراك المجتمعات. وعند إدماج هذا النوع من المدخلات مبكرًا، تصبح تدابير التخفيف أكثر عملية وقبولًا، ما يخفف من تحديات التنفيذ. ولا تقتصر فائدة الاشراك في هذه المرحلة على تحسين القرارات فحسب، بل تمتد إلى تعزيز المساءلة من خلال ضمان مشاركة الجهات المسؤولة عن إدارة المخاطر في الكيفية التي ستُدار بها تلك المخاطر منذ البداية.

التعامل مع المخاطر عملية مستمرة

بالإضافة إلى ذلك، حدث تحول تدريجي نحو التعامل مع إدارة المخاطر بوصفها عمليةً مستمرةً، لا إجراءً مؤقتًا. فبدلًا من الاعتماد على سجلات مخاطر ثابتة، استحدثت بعض الشراكات آليات متابعة منتظمة لإعادة النظر في المخاطر وتحديثها بحسب تغيّر الظروف. وهي توفر قدرة أكبر على الاستجابة المبكرة والتكيف، خصوصًا في البيئات غير المستقرة سريعة التغيّر. وفي هذه السياقات، المخاطر ليست قائمة ثابتة، بل واقعًا متغيرًا يستدعي متابعة دائمة.

إظهار المخاطر باستخدام أدوات مشتركة

كما ساعد استخدام أدوات مشتركة، من آليات تتبع بسيطة إلى منصات منهجية أكثر تنظيمًا مثل منصة تشارك المخاطر، في تعزيز وضوح المخاطر بين الشركاء. وفي النطاقات الأضيق، قد يقتصر ذلك على وثيقة مشتركة فحسب. ومع تزايد أعداد الجهات الفاعلة، تساعد هذه الأدوات في توضيح أوجه الترابط والمسؤوليات، ودعم عمليات متابعة أكثر اتساقًا. وبالرغم من أن الأدوات وحدها لا تحلّ الإشكالات الأعمق مثل ديناميات القوى أو عدم وضوح التوقعات، إلا أنها تسهم في تقليل العمل المنعزل وترسيخ نقاشات المخاطر ضمن عملية مشتركة وشفافة. ولا تكمن الأهمية في الأداة بحد ذاتها، بل في تحويل النقاش إلى عملية مرئية ومستمرة.

الخلاصة

تسهم هذه الممارسات، المستخلصة من التجارب العملية في اليمن، في تطوير نهج أكثر توازنًا لتشارك المخاطر. والتقدم واضح، لكنه غير منتظم. وفي كثير من الحالات، تعتمد التحسينات على مدى استعداد الجهات الفاعلة لتغيير طريقة عملها، بدلًا من أن تكون هذه التحسينات مدمجة داخل بنية الشراكات. فالتحديات لا تزال قائمة، بما في ذلك الخوف من الإبلاغ، وضغوط الامتثال، ومحدودية الإدماج في عملية صنع القرار. ومع أن الحوار حول المخاطر يشهد تحسنًا في بعض السياقات، إلا أنه لا يزال غير ثابت.

ولا يمكن تحسين تشارك المخاطر بالحديث عنه فحسب، إنما هي عملية تتبلور من خلال طريقة تواصل الشركاء واتخاذهم القرار وتصرّفهم على أرض الواقع. وفي السياقات التي تكون فيها المخاطر محلية بطبيعتها، يعتمد تحسين تشاركها على ضمان إشراك من هم الأقرب إليها في عملية إدارتها أيضًا. فالمخاطر لا ينبغي أن تُدار بمعزل عن الجهات الفاعلة المحلية، بل بالتعاون معها. فالمخاطر لا تصبح مشتركة بمجرد توثيقها، وإنما بالحوار والفهم والعمل المشترك.

مهنّى الجبلي ـ المدير العام في جمعية رعاية الأسرة ـ اليمن

تعليقات

Thanks for choosing to leave a comment. Please keep in mind that all comments are moderated according to our comment policy.

Let's have a personal and meaningful conversation.

هل يمكنك المساعدة في ترجمة هذا المقال؟

نريد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص. إذا كان بإمكانك المساعدة في ترجمة هذه المقالة ، فتواصل معنا.
Contact us

هل وجدت كل ما تبحث عنه؟

تساعدنا مدخلاتك القيمة في تشكيل مستقبل HPN.

هل تود الكتابة لنا؟

كما نرحب بالتقارير المقدمة من قرائنا بشأن المواضيع ذات الصلة. إذا كنتم ترغبون بنشر أعمالكم على شبكة العمل الإنساني، فإننا نحثكم على التسجيل بصفتكم عضوًا في شبكة العمل الإنساني حيث ستجدون المزيد من التعليمات حول كيفية تقديم المحتوى إلى فريق تحريرنا الخاص.
Our Guidance