3-year-old Hassan, suffering from Thrombocytopenia Anaemia and malnutrition, is seen playing with his aunt on a bed inside the Inpatient Therapeutic Feeding Center, inside the MSF run Mother and Child Hospital in Taiz Houban, Yemen 3-year-old Hassan, suffering from Thrombocytopenia Anaemia and malnutrition, is seen playing with his aunt on a bed inside the Inpatient Therapeutic Feeding Center, inside the MSF run Mother and Child Hospital in Taiz Houban, Yemen Photo credit: © Matteo Bastianelli
“عندما تكون الاحتياجات هائلة: تحقيق التوازن بين النوعية والتغطية في مستشفى في اليمن
by بادريك ماكلوسكي وجانا براندت June 2020

جاءت هذه المرأة من مسافة بعيدة وأنفقت الكثير من المال على وسائل النقل للوصول إلى مستشفى الأم والطفل التابع لمنظمة أطباء بلا حدود – وهي أموال كان على الأسرة اقتراضها من الجيران. عندما وصلوا إلى المستشفى، كانت لدينا الكثير من النساء يلدن واضطررنا لإغلاق الدخول إلى قسم الولادة، فقد كان المستشفى الذي يضم 130 سريراً قد بلغ كامل طاقته الاستيعابية. إن اضطرار العاملين لرفض النساء الحوامل اللواتي يحتجن بشدة إلى رعاية طبية يفطر القلب، ومع أننا تمكنا من إيجاد مكان للمرأة لتلد في النهاية، إلا أن هذا الأمر ليس ممكنًا دائمًا.

هذا هو الواقع اليومي لموظفي منظمة أطباء بلا حدود، بعد ما يقرب من أربع سنوات على إنشاء المنظمة لمستشفى الأم والطفل خارج تعز في منطقة حوبان. لقد ولد آلاف الأطفال في المستشفى منذ افتتاحه، ويتزايد العدد كل عام، ففي الأشهر الأربعة الأولى من عام 2019، ولد 3514 طفلًا في المستشفى – بمعدل يفوق ولادة  واحدة في الساعة الواحدة منذ بداية العام، وهذه الأعداد المرتفعة تزيد تعقيد الاحتياجات، حيث تعاني حوالي 70٪ من النساء اللواتي تم علاجهن في المستشفى من مضاعفات تهدد الحياة، وتوفي المئات من الأطفال حديثي الولادة والأطفال في المستشفى في السنوات الأخيرة.

يواجه الموظفون اليمنيون والدوليون في منظمة أطباء بلا حدود طلباً غير محدود ومتزايداً على الرعاية الصحية، لكنهم لا يستطيعون تقديم العلاج للجميع. لذلك كان لا بد من وضع بعض الحدود، ما طرح مجموعة من المعضلات الأخلاقية أمام عملية صنع القرار التشغيلية لمنظمة أطباء بلا حدود.

الخطوات المتخذة

تدور هذه المعضلات حول قدرة منظمة أطباء بلا حدود القيام بمعالجة المزيد من المرضى مع المحافظة على مستوى عالٍ من الرعاية الطبية، ويشمل ذلك سلسلة من الإجراءات والقرارات، بما في ذلك تقييد الدخول وإحالة المرضى إلى المستشفيات الأخرى وتحريك المرضى بسرعة أكبر عبر المستشفى وتقرير عدم توسيع أنشطة المشروع. وفي حين أن المقاسات المادية لمبنى المستشفى هي العامل المحدد الرئيسي للقدرة على علاج المزيد من المرضى، إلا أن هذه القرارات زادت من تقييد استجابة منظمة أطباء بلا حدود. تناقَش هذه القرارات بدقة شديدة، ويكون هناك خلاف حولها أحياناً، ولكن من ينفذها في النهاية مئات الموظفين في المستشفى، مع ما ينتج عنها من عواقب تتعلق بحياة وموت آلاف النساء والأطفال وعائلاتهم.

كان أحد التدابير الرئيسية لإدارة الطلب المفرط هو تقييد الوصول إلى خدمات الأمومة والطفل، فعندما تم افتتاح المستشفى اقتصرت معايير القبول على النساء الحوامل والأطفال دون سن 10 سنوات، ولكن مع تزايد الطلب على الخدمات، تم تضييق المعايير باستبعاد الأطفال فوق سن الخامسة. وبذلك فقد كان الطلب المتزايد هو المحرك الرئيسي وراء التغيير، ولكن ما لم يكن واضحاً هو مقدار الطلب المتزايد الذي نتج عن الاحتياجات المتنامية، أوعن زيادة تقبل منظمة أطباء بلا حدود وازدياد الوعي.

في جناح المواليد الجدد الذي يضم 36 سريراً في المستشفى والمخصص للحالات الخطيرة، تقتصر معايير القبول على أولئك الذين ولدوا في المستشفى. وقد طرح اتخاذ قرار من يمكن إدخاله إلى الجناح إحدى أكثر المعضلات جدية بالنسبة للموظفين. في السابق، كان فقط المواليد الذين يزنون أكثر من 1.5 كجم مقبولين، والمبرر المنطقي هو أن أولئك الذين يستوفون الشروط لديهم فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة من أولئك الذين يزنون أقل. بعد ذلك، تم تطبيق معايير أكثر تحديدا حيث يمكن قبول الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 32 أسبوعاً إذا كانوا يزنون بين 1 إلى 1.5 كجم، بينما لا يزال يتعين على أولئك الذين تقل أعمارهم عن 32 أسبوعاً بلوغ عتبة 1.5 كجم. ومع أن هذه المعايير أكثر دقة، إلاأنها تنطوي على درجة من الذاتية في التنفيذ، أي أنه لا يزال من الصعب للغاية أن يشرح للعائلات لماذا تم قبول طفل ما ولم يتم قبول طفلهم.

حتى مع معايير القبول المقيدة، لا يزال هناك آلاف المرضى الذين لا تملك منظمة أطباء بلا حدود القدرة على علاجهم، ولهذا تحيل بعضهم إلى شبكة من أربعة مستشفيات خاصة ومستشفى آخر تابع للمنظمة في محافظة إب شمال حوبان، ذلك أن المرضى الذين تتم إحالتهم يعانين من أمراض نسائية ومتعلقة بالولادة مهددة للحياة لا يمكن لمنظمة أطباء بلا حدود علاجها، أو من فشل كلوي حاد، أو تشوهات خلقية تهدد الحياة. ومع تزايد الطلب على الرعاية الصحية، تزايدت الإحالات أيضا من 203 عام 2016 إلى 3322 عام 2018، ومع أن نظام الإحالة يوفر طريقة لتلبية احتياجات المزيد من المرضى، إلا أنه يشكل معضلة مثل التدابير الأخرى، فمع أن منظمة أطباء بلا حدود تقيم نوعية المرافق التي تحيل المرضى إليها، فهي لا تستطيع التحكم في جودة الرعاية المقدمة. هذه معضلة تواجه منظمة أطباء بلا حدود في أي مكان تقوم فيه بالإحالات، ولكن نظراً لارتفاع عدد الأشخاص الذين تحيلهم منظمة أطباء بلا حدود في تعز، فقد اكتسبت المسألة أهمية أكبر في هذا السياق.كانت هناك أيضًا حالات حيث كان لا بد من إغلاق جناح الولادة أمام قبول مرضى جدد حتى تتوفر أسِرّة كافية، وخلال تلك الأوقات كانت هناك نساء حوامل يصلن إلى المستشفى بعد أن قطعن مسافات طويلة عبر طرق غير آمنة ونقاط تفتيش متعددة، ولكن قد لا يكون هناك مكان لعلاجهن. حتى أن بعض النساء أنجبن على أبواب المستشفى. خلال عمليات الإغلاق هذه، يمكن إحالة المرضى اللواتي يصلن إلى المستشفى ويستوفين معايير القبول إلى مستشفى آخر إذا لم يتم قبولهن. في أبريل 2019، على سبيل المثال، كان على جناح الولادة الإغلاق لمدة 35 ساعة على مدار عدة أيام، وكان متوسط كل ​​إغلاق أكثر من ثلاث ساعات؛ خلال هذا الوقت، مُنِعت حوالي 20 إلى 30 امرأة من الدخول، وكان على منظمة أطباء بلا حدود إحالة ستة منهن بشكل عاجل إلى مرفق آخر.

مع تطبيق هذه الإجراءات، كانت إحدى الخطوات الأخيرة هي تحسين تدفق المرضى عبر المستشفى، وهذا يعني محاولة تحرير الأسرّة والمكان للمرضى الجدد بأمان وبأسرع وقت ممكن عن طريق تحريك المرضى بين الأجنحة؛ هذا هو أحد الأسباب التي جعلت المستشفى قادراً على زيادة عدد الولادات التي يتعامل معه، لكن النساء اللواتي يلدن طفلهن الثاني أو الثالث وحملهن غير معقد فقد يتم إخراجهن حالاً بعد ثلاث ساعات من الولادة.

لقد جرت مناقشة واختبار قائمة أطول بكثير لكل ما تم القيام به، وكانت إحدى الأفكار التي أخضعت للتجربة ولكن تم إلغاؤها بسرعة هي حصر الدخول بالمناطق الجغرافية الأقرب إلى المستشفى، وبالتالي منع الدخول أمام الأشخاص الذين سافروا من مسافات أبعد، ولكن ما لبث أن ثبت لنا أنه من الصعب التأكد بالضبط من أين سافر الناس، والأهم من ذلك أن اللواتي سافرن لمسافات أطول هن في الغالب الأكثر احتياجاً للرعاية الطبية. نظراً لهذا الواقع، من الصعب تحديد أي تدابير إضافية يمكن أن تمكن المزيد من المرضى من تلقي العلاج مع الحفاظ على معايير الرعاية. عندما يتم دفع الحدود بعيداً جداً باتجاه الكمية على النوعية، يزداد خطر زيادة العدوى ويزداد تناقل التلوث، ما يجعل أفراد الطاقم الطبي مضطرين لتوزيع وقتهم على عدد أكبر من المرضى، وهذا يهدد دوماً نوعية الرعاية.

الرعاية الصحية الأولية

طرح الطلب على الرعاية الصحية مسألة ما إذا كان على منظمة أطباء بلا حدود البدء في دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية في المزيد من المناطق الريفية للمساعدة في معالجة المشاكل الصحية التي تؤدي إلى حالات حمل معقدة. لقد كان هذا الأمر تطوراً منطقياً من نواح عديدة، على أمل أن يقلل من عدد النساء اللواتي يصلن إلى المستشفى مع مضاعفات تهدد حياتهن، غير أنه كانت هناك العديد من الحجج ضد الفكرة. أحدها هو أن المشروع كان كبيراً جداً أصلاً بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود، ليس فقط في اليمن ولكن عالمياً، ولم يكن من الواضح كيف يمكن تبرير توسيع المشروع مع وجود مناطق أخرى كثيرة في اليمن تعاني من عجزٍ في تلبية احتياجات الرعاية الصحية لديها وقلة قليلة من الجهات الفاعلة تستجيب فيها. وكان من شأن زيادة إضافية في حجم المشروع أن يشرّع منظمة أطباء بلا حدود أمام التساؤلات حول حيادها – من حيث تزايد أنشطتها على جانب واحد من خط المواجهة وجمودها على الجانب الآخر – وستجعل منظمة أطباء بلا حدود عرضة للتغيرات السياقية في تعز إذا استثمرت جميع مواردها تقريبا في مشروع واحد.كما ثبت أنه من الصعب القول بشكل قاطع أن دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية من شأنه أن يقلل الطلبات على المستشفى، حيث أن التقبل الحالي أو “شعبية” الخدمة التي توفرها منظمة أطباء بلا حدود هناك قد تكون عامل جذب أكبر للناس مقارنة بمركز رعاية صحية أولية مدعوم حديثاً ولو أقرب إلى المنزل. لعبت هذه الحجج مجتمعة الدور الأكبر في قرار عدم توسيع أنشطة المشروع.

المناصرة

عند اتخاذ القرار بعدم دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية، تكتسب المناصرة أهمية إضافية، فقد كانت المناصرة تهدف إلى دفع الجهات الصحية الفاعلة، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، لزيادة توفير الرعاية الصحية الأولية وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية،  وكان الأمل أن يساعد ذلك على التقليل من وفيات الأمهات والرضع والأطفال التي كانت منظمة أطباء بلا حدود تلاحظها، من خلال توفير المزيد من الخيارات لمعالجة مضاعفات الحمل في مرحلة مبكرة.

كان تأثير هذه الجهود القابل للقياس بطيئاً، وكانت محصلة العديد من اجتماعات المناصرة المحلية إقراراً من الجهات الصحية الأخرى بالاحتياجات التي لاحظتها منظمة أطباء بلا حدود، وتسليط الضوء على التدخلات الصحية التي كانت تساعد في تلبية هذه الاحتياجات في المحافظة، مثل تقديم مدفوعات تحفيزية للعاملين الصحيين أو التبرع بالإمدادات الطبية للمنشآت الصحية.

ومع ذلك، من الصعب رؤية التأثير الملموس لهذه التدخلات، ومن الصعب معرفة مدى فعالية عملها نظراً إلى الصعوبات التي تواجهها كل منظمة في الوصول إلى المناطق للقيام بمراقبة وتقييم مستقلين. إن الجهد المبذول لتقييم نوعية التدخلات الصحية للجهات الفاعلة الأخرى يجعل من الصعب القول بشكل قاطع أن الاستجابة الصحية بحاجة إلى تحسين؛ كل ما يمكن أن تقوله منظمة أطباء بلا حدود هو أنها تشهد أعداداً متزايدة من المرضى، لكن هذا لا يثبت بالضرورة أن التدخلات الصحية الأخرى تفشل.

كما أن منظمة أطباء بلا حدود لم تستكمل دائماً مناصرتها المحلية بالدعوة المستمرة باتجاه المزيد من كبار مسؤولي الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية أو المانحين، ومن المرجح أن تبدل الموظفين الدوليين في المناصب الرئيسية قد  ساهم في ذلك، وفي نهج مناصرة متقطع أوسع. بالإضافة إلى ذلك، ونظراً للعدد الكبير من الأولويات التشغيلية التي على منظمة أطباء بلا حدود التعامل معها في اليمن، كان الوقت والموارد المتوفران محدودين للتركيز على المناصرة، ولا يوجد حتى الآن جهد منسق ومستدام ومركّز بما فيه الكفاية. وربما لم تخصص الجهود حتى الآن الوقت الكافي لدعوة السلطات المحلية والوطنية لزيادة نطاق ونوعية استجابتها الصحية الخاصة. يمكن اعتبار هذا الأمر محفوفاً بالمخاطر، خوفاً من فقدان إمكانية الوصول، وغير واقعي بسبب التحديات التي ينطوي عليها إقناع الطرف المحارب بتخصيص موارد أكثر للرعاية الصحية.

الخاتمة

لقد بذل موظفو منظمة أطباء بلا حدود في تعز جهوداً كبيرة لتلبية احتياجات الرعاية الصحية، لكنهم وصلوا إلى أقصى حدود طاقتهم في ظل قيود وضع المشروع الراهن. وبصرف النظر عن المناقشات المستمرة حول ما إذا كان يمكن إعادة تنظيم أقسام معينة داخل المستشفى أو تسليمها إلى جهات صحية أخرى، فليس هناك الكثير مما يمكن متابعته داخلياً.

أما الطريقة التي سيتعامل بها المشروع مع الطلب المتزايد في المستقبل والدعوة للمناصرة بنجاح مع الجهات الفاعلة الأخرى لزيادة تدخلاتهم الصحية فهي أسئلة ستبقى مفتوحة حالياً. لن تكون الحلول مثالية، ولكننا نأمل أن يتم اتخاذ القرارات “بوعي وبأخذ المبادئ الأخلاقية بعين الاعتبار مثل تقليل الضرر وزيادة الفوائد والإنصاف والعدالة.”

من المقرر أن تبدأ منظمة غير حكومية محلية في تقديم رعاية التوليد الأساسية والطارئة في نفس منطقة تجمع منظمة أطباء بلا حدود، وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان هذا التدخل سيقلل عدد المرضى الواردين إلى مستشفى منظمة أطباء بلا حدود. يمكن أن تكون مثل هذه الأدلة أداة مهمة في محاولة دفع الجهات الفاعلة الأخرى لزيادة تدخلاتها أو جعلها أكثر ملاءمة.

لقد كانت القرارات والتدابير التي اتخذت حتى الآن استجابة للمعضلات التي واجهتها منظمة أطباء بلا حدود منطقية عن بعد، بما في ذلك بالنسبة للسلطات والمجتمع. إلا إنها كانت على المستوى الفردي صعبة للغاية، أولاً وقبل كل شيء بالنسبة للنساء والأطفال الذين أبعدوا عن أبواب المستشفى، ولكن أيضاً بالنسبة للموظفين الذين يتعين عليهم تنفيذ تلك القرارات كل يوم. وما لم تتحسن الاستجابة الصحية في جميع أنحاء المحافظة، ستستمر هذه المشاهد في الحدوث حتى عام 2020.

بادريك مكلوسكي مستشار الشؤون الإنسانية في منظمة أطباء بلا حدود

وجانا براندت مستشارة العمليات في منظمة أطباء بلا حدود.