A mother feeding her daughter in the malnutrition hit Aldhahi district after a nutrition awareness session. A mother feeding her daughter in the malnutrition hit Aldhahi district after a nutrition awareness session. Photo credit: DfID
“برنامج “النقد من أجل التغذية” في اليمن
by لميس العرياني وسيكاندرا كردي، وسارة بالمر–فيلجيت June 2020

تشهد اليمن أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج 24 مليون من أصل 30 مليون يمني إلى المساعدة و1.8 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، كما أدت الحرب الأهلية إلى ارتفاع الأسعار وفقدان الدخل وتقليص توفر الصحة العامة، ما أدى إلى تفاقم مستويات الفقر المرتفعة أصلاً وإلى سوء تغذية الأطفال.

مع تزايد الاحتياجات الإنسانية واستمرار تحديات الوصول ونقص التمويل، تلعب المؤسسات الوطنية دوراً متزايد الأهمية في تقديم المساعدة الإنسانية. في مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في عام 2016، تم التصدي للفجوة القائمة منذ أمد طويل بين التدخلات الإنسانية والإنمائية، مع الدعوة إلى استجابات جماعية جديدة تلبي الاحتياجات الإنسانية وتحمي رأس المال البشري والاجتماعي، ومع تحول استجابة اليمن نحو وضع برامج تتصدى للأزمات التي طال أمدها، أصبحت الحاجة إلى نظام حماية اجتماعية يوفر استجابة موثوقة ويمكن التنبؤ بها وفعّالة لأشد الناس فقراً وضعفاً في البلاد ملحة بشكل متزايد.

كان مشروع الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن أول مشروع للبنك الدولي لاختبار هذا النهج قبل وضع حزمة استجابة كاملة للطوارئ، وقد استلم الموافقة في عام 2016، ويعمل البرنامج من خلال وكالات الأمم المتحدة ومؤسسات الحماية الاجتماعية الوطنية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، كما أنه يقود بشكل متزايد لإصلاح السياسات التحويلية لتحسين وضع برامج الترابط وبناء قدرات الحكم المحلي لتقديم المساعدة الاجتماعية.

مبادرة الصندوق الاجتماعي للتنمية “النقد من أجل التغذية”

يعتبر الصندوق الاجتماعي للتنمية من المؤسسات اليمنية الرئيسية التي يدعمها برنامج الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن. تأسس الصندوق عام 1997، وهو منظمة شبه حكومية تتمتع بسمعة قوية كجهة مستقلة ومحايدة قادرة على العمل في جميع أنحاء البلاد، أهدافه هي تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الفرص الاقتصادية والحد من ضعف اليمنيين الفقراء من خلال نهج إنمائي بقيادة المجتمع المحلي.

تعد مبادرة “النقد مقابل التغذية” التابع للصندوق الاجتماعي للتنمية مثالاً على قدرة الوكالات المحلية في البلدان المتأثرة بالنزاعات الطويلة المدى أن تمزج بنجاح نماذج من عالم التنمية مع التنفيذ المرن الذي يتطلبه سياق الأزمة. تم تصميم البرنامج في الأصل كرد فعل على المستويات المرتفعة لتوقف نمو الأطفال والفقر، ولكنه توسع بعد اندلاع النزاع بسرعة وجرى إدماجه في برنامج الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن الذي يدعمه البنك الدولي، حيث تلقت 88000 أم فقيرة في 21 منطقة في جميع أنحاء اليمن تحويلات نقدية وتدريباً غذائياً من خلال البرنامج حتى منتصف عام 2019، وتلقى العلاج أكثر من 115000 امرأة وطفل يعانون من سوء التغذية. وستشمل موجة جديدة من التنفيذ المخطط للفترة 20202021 سبعة عشر ولاية إضافية.

يوفر البرنامج للنساء المستفيدات اللواتي لديهن أطفال دون سن الخامسة عاماً واحداً من التحويلات النقدية الشهرية ودورات تدريبية حول التغذية يقودها متطوعون صحيون في مجال الصحة المجتمعية معينون محلياً  مدربين وموظفين بواسطة البرنامج، كما يتلقى المستفيدون أيضاً مساعدة للوصول إلى مراكز العلاج إذا جرى تشخيص أطفالهم بأنهم يعانون من سوء التغذية.

نتائج تقييم التأثير

تم تصميم تقييم تأثير برنامج “النقد من أجل التغذية” والبدء به قبل النزاع، ثم أكمله الصندوق الاجتماعي للتنمية بالتعاون مع المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية في 2018. أظهر التقييم تراجع رفاهية الأسرة بين بداية البرنامج التجريبي في عام 2015 والجولة الثانية من مجموعة المسح في عام 2017، بالإضافة إلى التأثيرات الإيجابية الهامة للبرنامج على كل من الاستهلاك الفوري والمزيد من مؤشرات الرفاه على المدى الطويل.

بدلاً من زيادة استهلاك أنواع الأطعمة الأساسية التي يتم توزيعها عادةً في سلال الطعام، استخدمت الأسر المشمولة بالبرنامج النقود للحفاظ على الجودة الغذائية لنظامها الغذائي، فقد  وجد التقييم أن العائلات التي تتلقى التحويل النقدي في أفقر الأسر المشمولة في العينة مقارنة بغير المستفيدين اشترت المزيد من الحليب والفواكه والخضروات والبيض بشكل ملفت، وأنها على الأرجح تبلغ عن استهلاك اللحوم مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، أما بالنسبة للأسر غير المستفيدة، فقد كان التنوع الغذائي للأطفال للأسر المشاركة أعلى بـ0.8 مجموعة غذائية عند المتابعة، وهو ما يعوض جزئياً عن انخفاض أساسي بـ 1.3 مجموعة غذائية لوحظ بين المرجعية السابقة للنزاع ومتابعة عام 2017.

وجد التقييم أيضاً أن التدريب الغذائي حسّن بعض الممارسات الرئيسية التي استهدفها متطوعو الصحة المجتمعية. وكان المستفيدون مقارنة بغير المستفيدين أكثر استعداداً للإبلاغ عن البدء المبكر في الرضاعة الطبيعية والرضاعة الحصرية للرضع دون سن ستة أشهر، وكلاهما مرتبط بانخفاض معدل وفيات الأطفال. كما أنهم كانوا أكثر استعداداً لمعالجة مياه الشرب وإعطاء حليب الأطفال أو حليب الأم بصورة أكثر تواتراً.

أخيراً، وجد تقييم الثلث الأفقر من الأسر آثاراً كبيرة وذات دلالة إحصائية على معايير z إزاء نسبة الطول إلى العمر، ما يشير إلى تحسن في العناصر الغذائية للأطفال على المدى الطويل.

دروس السياسة العامة المتعلقة بسياقات الأزمات طويلة الأمد

لم يؤثر النزاع على رفاهية السكان الذين يخدمهم برنامج “النقد من أجل التغذية” وحسب، بل أيضاً على تنفيذ البرنامج نفسه، وقد استجاب البرنامج للتحديات التي يطرحها الوضع الأمني ​​بأن أصبح أكثر مرونة؛ مثلاً، في مناطق الصراع النشط حيث يوجد خطر الضربات الجوية، تم استبدال دورات التدريب الغذائي الجماعي بزيارات منزلية وتوزيع التحويلات النقدية على فترات أقل تواتراً، كما فتح البرنامج خطاً هاتفياً ساخناً للرد على الأسئلة حول الوضع المتغير، وسمح للنساء اللواتي أجبرن على مغادرة منازلهن بسبب النزاع بالمشاركة في الدورات التدريبية وتلقي التحويلات النقدية في المناطق الأخرى حيث ينشط البرنامج.

بشكل عام، يعد تقديم التحويلات النقدية أسهل وهي تعتبر بشكل عام أفضل من توزيع المواد الغذائية، لكنها تعتمد على الأسواق المستمرة في العمل. وفي حين أن الصراع قد يزعزع استقرار الأسواق ويعني أن تقديم المساعدة العينية هو الأفضل على المدى القصير، غالباً ما تكون التحويلات النقدية في البلدان التي تعاني من نزاع طويل الأمد ممكنة، وهو ما يعكس مرونة النشاط الاقتصادي حتى في مواجهة زيادة تكاليف النقل والمعاملات. وبالنسبة للولايات التي جمعت فيها البيانات، أكد التقييم أنه لم تكن هناك تغييرات كبيرة في توافر المواد الغذائية الرئيسية، على الرغم من ارتفاع متوسط ​​مستوى الأسعار (لم يجد التقييم أن التحويلات النقدية نفسها قد أثرت على الأسعار).

تقدم هذه الدراسة بعض النتائج المهمة التي تعزز قاعدة الأدلة على وضع برامج النقد والتغذية، فعند المقارنة مع برامج التحويلات النقدية المشروطة الشائعة في دوائر التنمية في البلدان المستقرة، أظهر برنامج “النقد من أجل التغذية” فعالية النهج المرن الذي يسمى “الشروط الناعمة”، فمع أن المستفيدين كانوا مطالبين رسمياً بحضور الدورات التدريبية، فلم يوقف البرنامج التحويلات النقدية في حالة عدم الحضور. ومع ذلك، كان الحضور في الدورات التدريبية مرتفعاً ونجح البرنامج في زيادة الوعي وتغيير السلوك، كما ساعد التقييم على رسم المسار من النقد والتدريب إلى تحسين نتائج التغذية.

تعزيز المؤسسات الوطنية

يسلط نجاح برنامج “النقد من أجل التغذية” الضوء أيضاً على أهمية المؤسسات المحلية لتحقيق الاستدامة، إذ تعتمد القدرة على تنفيذ البرنامج في الظروف السياسية غير المستقرة والمتغيرة باستمرار في اليمن على الروابط المحلية والثقة التي بناها الصندوق. وقد استفاد البرنامج من توظيف النساء المحليات شديدات الحماس كمعلمات صحة مجتمعية، وتتضح فعاليتهن في قدرتهن على إقناع المستفيدات بقيمة المعلومات التي تتم مشاركتها في دورات التدريب المتعلق بالتغذية. هناك أيضاً أدلّة متناقلة على أن متطوعي الصحة المجتمعية واصلوا الترويج لأهداف البرنامج في مجتمعهم بعد انتهاء عقودهم، وسيكون البناء على أدلة هذه الدراسة وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية الوطنية من خلال المؤسسات الوطنية الموثوقة مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية عوامل حاسمة في معالجة التحديات الإنسانية المعقدة وطويلة الأمد التي تواجه اليمن.

لميس العرياني رئيسة وحدة المراقبة والتقييم في الصندوق الاجتماعي للتنمية، اليمن. سيكاندرا كردي هي زميلة باحثة مشاركة في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية. سارة بالمر-فيلجيت هي مستشارة التنمية الاجتماعية لوزارة التنمية الدولية، اليمن.

قاد البنك الدولي تقييم التأثير الأساسي لهذا البحث وموله الصندوق الاستئماني للشمال الأوروبي، كما مول جمع البيانات مشروع الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن الممول بدوره من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة لمجموعة البنك الدولي وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشريكه المنفذ الصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن. تم تنفيذ هذا العمل كجزء من برنامج أبحاث اتحاد مراكز البحوث الزراعية الدولية حول السياسات والمؤسسات والأسواق بقيادة المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية.

Share
FacebookTwitter