Dhamar, Wusab Assafil district. Hameed, 60 year-old grandfather, poses with some women and children of his big family of 34 members Dhamar, Wusab Assafil district. Hameed, 60 year-old grandfather, poses with some women and children of his big family of 34 members Photo credit: © ICRC
“النُهج الديناميكية لحماية الأطفال في الاستجابة الإنسانية في اليمن
by محمد الشماع وأماندا برايدون June 2020

كانت التكلفة البشرية للنزاع في اليمن مدمرة، ولا يزال الوضع قاتماً مع تزايد الاحتياجات بشكل حاد في جميع القطاعات، الأمر الذي أدى إلى تفاقم نقاط الضعف الموجودة أصلاً، وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود وتسريع انهيار المؤسسات العامة. لقد تأثر الأطفال بشدة، سواء من جراء القتال أو من خلال استراتيجيات التكيف الضارة التي أُجبرت العائلات على تبنيها، بما في ذلك الزواج المبكر والقسري أحياناً وإشراك الأطفال في عمالة الأطفال وتجنيدهم العسكري.

تقيّم هذه المقالة التحديات التي تواجه تلبية احتياجات الحماية للأطفال وأسرهم ومجتمعاتهم في اليمن، وكان المدخل للاستجابة بنجاح لهذه التحديات هو اعتماد مقاربات متنوعة تعتمد على فكرة مركزية الحماية. وتتضمن الميزات الهامة الإضافية اعتماد نهج متكامل متعدد القطاعات، وضمان أن تتمكن البرامج من التكيف مع التحديات التي يفرضها السياق المرن، والسعي إلى إدماج المشاركة وبناء القدرات لضمان الاستدامة وتعزيز المشاركة الإيجابية مع السلطات المحلية وأصحاب المصلحة الآخرين.

السياق

على الرغم من محاولات المنظمات الإنسانية أن تستجيب للمستويات المرتفعة من سوء التغذية الحاد في جميع أنحاء اليمن، إلا أن الوضع الغذائي للأطفال دون سن الخامسة وللأمهات الحوامل والمرضعات يستمر في التدهور. فالنزوح بسبب القتال المستمر وانهيار نظام الرعاية الصحية ونقص فرص كسب العيش يبني حواجز ضخمة أمام ضمان قدرة العائلات على الحصول على ما يكفي من الطعام أو تحمل تكاليف النقل إلى مراكز العلاج عندما يمرض أفراد الأسرة. أما بالنسبة لأولئك القادرين على تحمل تكاليف العلاج، فليس هناك ما يضمن أن المستشفى سيمتلك المعدات والإمدادات اللازمة لتقديم الرعاية.

يتعين أيضًا على المجتمعات المحلية والأسر مواجهة الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال وتزايد احتياجات الحماية. وقد اضطرت الأسر بشكل متزايد للجوء إلى آليات التكيف السلبية للبقاء على قيد الحياة، بحيث أصبح الأطفال والمراهقون هم الأكثر تضرراً. وغالباً ما تجد الفتيات على وجه الخصوص أنفسهن مرغمات على الزواج المبكر، فهي وسيلة تحاول من خلالها العائلات تقليل النفقات والحصول على مهر لإعالة بقية الأسرة. ووفقاً لليونيسف، فإن أكثر من ثلثي الفتيات في اليمن يضطررن للزواج قبل أن يبلغن 18 سنة، وهي زيادة عن المعدل المرتفع أصلا البالغ 50٪ قبل النزاع.

التحديات التنفيذية

تعيق قيود الوصول، بما في ذلك تدهور الوضع الأمني، تحركات الموظفين، فالتفاوض على المرور عبر نقاط التفتيش والجهود المبذولة لضمان عدم استهداف مناطق العمليات الإنسانية يستغرق وقتاً طويلاً بشكل خاص، ويمكن أن يؤدي العمل على جانبي الخط الأمامي إلى تفاقم هذه المشكلات. عدا عن ذلك، فإن التحركات السكانية الكبيرة والكثيفة وغير المتوقعة تعني أن على موظفي وبرامج المساعدة الإنسانية أن يكونوا مرنين وقابلين للتكيف لضمان تلبية الاحتياجات الأساسية، إلا أن محاولات القيام بذلك – حتى بالنسبة للأنشطة المخطط لها – تعيقها طلبات السلطات المحلية المتزايدة باستمرار للحصول على معلومات حول المبادرات والحاجة إلى الحصول على تصاريح السفر حتى لمقابلة الموظفين في مواقع المشروع، وهذه القيود تجعل من الصعب الوصول إلى الأطفال وأسرهم في الوقت المناسب وكلما دعت الحاجة، وعدم القدرة على التنبؤ بالزيارات الناتجة عن ذلك يعني أن العائلات لا يمكنها بشكل مؤكد معرفة متى سيكون الموظفون قادرين على الوصول إليهم مرة أخرى.

كما يوجد تحدٍ إضافي يتمثل في بالمفاهيم السلبيةـ الموروثة أحيانًا، تجاه خدمات الحماية، لا سيما عندما يتردد الناس في مناقشة قضايا العنف التي ترتبط بها مخاوف الحماية هذه. بالتالي، يمكن أن ينشأ شك إضافي من مشاركة العاملين في المجال الإنساني حيث يسلط عملهم الضوء على قضايا الحماية الحساسة. وبصرف النظر عن السماح بإدارة حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الأساسية المتعلقة بالحماية، فإن السلطات تتردد في الموافقة على المبادرات والمشاركة فيها لتعزيز الإجراءات الوقائية، مثل مجموعات حماية الطفل المجتمعية التي تلتقي لتحديد تحديات الحماية الرئيسية والتخفيف منها. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن هذه المجموعات لا تنتج البنية التحتية الملموسة التي ترافق المشاريع الأخرى، مثل المياه والصرف الصحي ومرافق النظافة، وبالتالي يصعب تبريرها للسلطات. يمكن أن تحتوي تدابير تعزيز حماية الطفل، مثل تدريب المدافعين من المجتمع المحلي، على عناصر أكثر تعقيداً بالنسبة للتغيير السلوكي. وهذا يشمل إقامة العلاقات وبناء الثقة وتعزيز التفاهم، وكلها تتطلب وقتاً ومشاركة منتظمين.

ما الذي نجح؟

هناك أربعة نُهجٍ شكلت عوامل أساسية للوصول إلى الأطفال اليمنيين وأسرهم. أولاً، وضعت منظمة إنقاذ الطفل أنشطة تعكس مركزية الحماية، حيث تكون الحماية محصلة أساسية متوخاة لجميع الأعمال الإنسانية، وهذا يعني أن احتياجات الحماية وأولوياتها مدرجة في جميع المناقشات المتعلقة بالاستجابة وفي الأولويات التنظيمية الفردية وفي جميع عمليات التنسيق والتمويل الجارية في البلاد. بل قبل كل شيء، تسلم بأن القطاعات المختلفة يمكنها أن تساهم بطرق متنوعة في تعميم الحماية التي تحكمها استراتيجية حماية متماسكة لتوجيه ودعم الجهات الفاعلة. على سبيل المثال، تحدد تقييمات احتياجات الحماية الأطفال والأمهات المعرضين للخطر في المراكز الصحية حيث تدير منظمة إنقاذ الطفل برامج التغذية وتدعم الرضاعة الطبيعية وتعزز الوعي بالنظافة العامة. من خلال هذا التكامل، يمكن لهذه التقييمات أن تتحقق مما إذا كانت هناك احتياجات حماية إضافية لهذا القسم من المجتمع.

يمكن كذلك أن تتمحور جلسات التوعية حول الحماية في العيادة أو المركز الصحي. فقد تم تنفيذ العديد من المشاريع مؤخراً دُمجت فيها أنشطة الحماية أو نُهُجِها في الأنشطة الصحية أو التعليمية وفي التواصل مع المجتمعات المحلية. ويعد تأمين مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية المناسبة والمراعية للاعتبارات الجنسانية وتثقيف الوالدين الإيجابي حول رعاية الأطفال في المدارس نموذجين لهذا التكامل، وطريقة لضمان تعميم احتياجات الحماية في البرامج الإنسانية الأساسية الأخرى. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، حيث تتطلب بعض المقترحات المتكاملة مراجعة أكثر من ثلاث وزارات قبل الموافقة عليها. هذا الأمر يؤدي إلى تأخيرات ملحوظة في البرامج، وقد تضيف تغييرات العاملين مزيداً من التعقيدات في تنفيذ البرنامج.

أما النهج الثاني فيتمثل في ضمان أن تتمكن البرامج مع الموظفين من تلبية الاحتياجات المتغيرة بسرعة من خلال تكييف الاستجابة. وفي حين أن المرونة غالباً ما تبرز كعامل أساسي في أي استجابة إنسانية، إلا أنه قد يكون من الصعب تنفيذها عملياً. إن التمويل طويل المدى لإتاحة الوقت الكافي لمعالجة التحديات البيروقراطية الحتمية عند التأسيس والمرونة في إعداد تقارير المانحين ضروريان لتلبية السياقات والاحتياجات المتغيرة،  وقد نجح هذا النهج بشكل جيد في اليمن، حيث أمكن تحقيق نتائج الحماية بشكل غير مباشر من خلال توفير أنشطة أخرى،  ومن الأمثلة الجيدة على هذا التكيف قرارات إعطاء الأولوية للأسر التي ترأسها النساء والأطفال في توزيع الغذاء والنقد، أما استهداف الأطفال غير الملتحقين بالمدارس بمثل هذه التوزيعات مع تشجيعهم كذلك على العودة إلى المدرسة فهو يقلل من تعرضهم للمخاطر ويساعدهم على الشعور بحماية أكبر. تكمن التحديات هنا حول نطاق التغطية وما إذا كانت مثل هذه التدخلات ستسهم في معالجة الأسباب الجذرية لقضايا الحماية.

ثالثًا، يمكن تحقيق استدامة برامج الحماية بشكل أفضل من خلال المشاركة والشراكة والاستفادة من المبادرات المحلية. وتسهم هذه المقاربة، بما في ذلك دمج تعزيز القدرات في إيصال المساعدات الإنسانية، بشكل مباشر في استدامة البرامج. يزداد هذا الأمر أهمية كلما طال أمد النزاع. وقد رأت منظمة إنقاذ الطفل على سبيل المثال أفراداً من المجتمع المحلي يشاركون أكثر ويبدؤون في الإبلاغ عن المخاوف المتعلقة بحماية الطفل، بما في ذلك ما يتعلق بسلامة الأطفال في الطريق إلى المدرسة، بحيث يصبح الآباء والمعلمون وأفراد المجتمع جزءاً من نظام إحالة المخاوف المتعلقة بالحماية إلى خدمات الدعم المعنية، وجزءًا من الحلول المتخذة لتحسين حماية الطفل وبناء آليات مجتمعية لمعالجة المخاوف.

إن لإنشاء لجان مجتمعية والاستثمار في أخصائيين اجتماعيين محليين داخل المجتمعات المحلية والمدارس قدرة معززة للتعامل مع مخاوف الحماية، فقد ساعدت الجهود المشتركة لرفع مستوى الوعي والإبلاغ عن التحديات، وفي الوقت عينه على كسر الحواجز بشأن القضايا الحساسة، في تطبيع الحديث عن قضايا الحماية التي ربما كان من المعيب طرحها في الماضي والإبلاغ عنها، أما قدرة الجهات الفاعلة المحلية والخلفية الثقافية والوضع الاقتصادي للأشخاص الذين قد لا يكون من السهل عليهم التطوع في هذه الجهود فهي تحديات مستمرة يعمل الموظفون والمجتمعات المحلية على معالجتها كل حالة على حدة.

رابعاً، إن العمل مع السلطات والتصدي لمفاهيم الحماية، مع كونه تحدياً مستمراً هو عنصر أساسي للنجاح، وحتى إن استغرق الأمر وقتاً لبناء التفاهم والثقة، فإن جوهر الأمر يمكن في  فهم احتياجات ورغبات السلطات، ولكن أيضا بناء تفهمهم الخاص للتدخلات الإنسانية. وتشمل عوامل التمكين الرئيسية لهذه المقاربة حشد جهود مجموعة الحماية والفريق الإنساني للبلد ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية الأخرى واللجنة الدولية للصليب الأحمر والشركاء الآخرين الذين لديهم تفويض بالحماية. لقد كان الدرس الحاسم في العمل معاً هو الحاجة إلى مقاربة مشتركة لتوفير الوضوح لجميع الجهات الفاعلة المعنية وتجنب المقاربات التي تقسم الاستجابة وتعقدها من خلال مسارات الإحالة المعقدة أو مضاعفة الخدمات.

التحديات وسبل المضي قدماً

هناك دائما مجال للتحسين، فعمليات التفكير الناقد والصادق التي يتم إدماجها في أطر التنفيذ وتقارير الجهات المانحة تعتبر أساسية للتنمية والتطور داخلياً. كما يمكن الاستفادة من تجارب المبادرات الناجحة كطريق رئيسي للمضي قدماً. مثلاً، تعتبر منتديات تبادل الدروس والممارسات الجيدة طريقة جيدة لتبادل المعرفة الهادفة بين النظراء وتعزيز قدرة الشبكات على طول خط الاستجابة. و لا يوجد حل واحد يناسب الجميع، وعليه فلا بد للمجتمع الإنساني أن يعمل على استكشاف المزيد من المقاربات المحلية وتشجيع الابتكارات لبناء فهم الحماية مع السلطات المحلية والسكان المتضررين، وتمكين التصميم المشترك لاستراتيجيات الحماية وتيسير الدعوة لإشراك صانعي القرار على جميع المستويات، بما في ذلك على الصعيد الوطني.

وتوفر المبادرات التي تتمحور حول التمكين وبناء القدرات فرصاً لإحداث تأثيرات كبيرة، حيث تعمل منظمة إنقاذ الطفل على تطوير هياكل وآليات حماية الطفل المجتمعية الخاصة بها لتوفير دعم أكبر لتعبئة المجتمع المحلي، والتوعية والتعرف على قضايا الحماية ودعم الأطفال الذين يحتاجون إلى الحماية وإحالتهم،  ومن شأن مثل هذا الحوا رأن يسمح لأعضاء المجتمع بالتعبير عن أفكارهم ومخاوفهم فيما يتعلق بتدخلات الحماية – ليس فقط في اختيار القضايا التي يجب معالجتها والتي تهمهم، ولكن أيضًا لتمكينهم من إيجاد طرق لتعزيز حماية الأطفال في مجتمعاتهم.

خاتمة

قد يكون من السهل إغفال الفرص للتأثير بشكل إيجابي على أزمة كبيرة ومعقدة مثل أزمة اليمن – ليس فقط عند السعي للتأثير على صانعي القرار الرئيسيين، ولكن أيضاً في خطط المنظمات الإنسانية الخاصة بالاستجابة. إن التوقف برهة لتقييم التحديات وتحديد العناصر المشتركة للنجاح عبر التدخلات والتأكد من أن هذا التفكير يغذي البرامج المستقبلية على المستوى الكلي أمر أساسي لتحسين التأثير في أي استجابة. وعلى المستوى الجزئي، فإن جهود الأفراد الشجاعة والقصص الشخصية هي التي تدفعنا إلى بذل كل ما في وسعنا لتغيير الوضع في اليمن إلى الأفضل وضمان مستقبل آمن للأطفال.

أماندا برايدون هي مستشارة للنزاع والمناصرة الإنسانية مع منظمة إنقاذ الطفل بالمملكة المتحدة.

محمد الشماع هو مدير برنامج التنمية والنوعية في منظمة إنقاذ الطفل في اليمن.